نعيش اليوم مفارقةً عجيبة؛ ففي الوقت الذي لم يسبق للبشرية أن تغنّت بالرياضة، وأنفقت عليها المليارات، وصنعت لها الفضائيات والملاعب العملاقة كما تفعل اليوم، نجد أن الأجيال المعاصرة هي الأكثر خمولاً، والأضعف بُنيةً، والأكثر استهلاكاً للأدوية!
هذا التناقض الصارخ يدفعنا لطرح تساؤلٍ عميق، ليس فقط عن ماهية الرياضة، بل عن جذورها في هدينا الإسلامي: هل كان النبي ﷺ رياضياً؟ وكيف تحولت الرياضة من "فعلٍ" يبني الأجساد والأمم، إلى "مُخدِّرٍ" يسرق الأعمار ويصنع التفاهة؟
الجسد النبوي.. قوةٌ في خدمة رسالة
إن المتأمل في السيرة النبوية المطهرة يُدرك يقيناً أن النبي ﷺ لم يكن صاحب جسدٍ خاملٍ أو مُترهل. بل كان خِلقةً مُحكمة، مشدود البُنية، سريع الخُطى، كأنما ينحدر من صبَب (مكان مرتفع). لم يكن ﷺ بمعزلٍ عن النشاط البدني، بل مارسه ووجّه إليه، ولكن بـ "فلسفة البناء" لا بفلسفة الاستعراض:
الرياضة العائلية والترويح النقي: في مشهدٍ يفيض بالبساطة والمودة، يسابق النبي ﷺ زوجته عائشة رضي الله عنها في الصحراء. تسبقه مرة حين كانت خفيفة اللحم، ويسبقها لاحقاً ليقول لها ضاحكاً: «هذه بتلك». إنها رياضةٌ تصنع بهجة البيت، وتُحرك الجسد، بعيداً عن أعين المتفرجين وعدسات الاستعراض.
الرياضة لإثبات القوة والفتوة: حين وقف "رُكانة" – وهو من أشد رجال العرب وأقواهم – متحدياً، لم يتردد النبي ﷺ في قبول التحدي والمصارعة. صرعه النبي ﷺ مراراً، في رسالةٍ واضحة بأن المؤمن ليس ضعيفاً، وبأن الحق إذا اقترن بالقوة البدنية كان أهيب في النفوس.
الرياضة للإعداد والمهمات الكبرى: كان التوجيه النبوي الدائم ينصبّ على المهارات التي تنفع الأمة؛ كالرماية، والسباحة، وركوب الخيل. كان يقول: «ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا».
في الهدي النبوي، الرياضة هي "مُمارسةٌ وميدان". أنت من يركض، وأنت من يرمي، وأنت من يشتد عوده. غايتها أن تكون «المؤمن القوي»، القادر على كسب رزقه، وقيام ليله، ونصرة أمته.
صنم المُدرَّجات.. حين يتحول الإنسان إلى "مُستهلك"
وعلى النقيض تماماً، تقف "الصناعة الرياضية" المعاصرة. هذه الصناعة، في حقيقتها الرأسمالية والاستهلاكية، لا تريدك رياضياً! بل تريدك "مُتفرجاً ومُستهلكاً".
إنها منظومة قائمة على سلب إرادة الشاب وتحويله إلى كائن سلبي يجلس لساعاتٍ طوال، يتناول الأطعمة الضارة، ويحرق أعصابه، ليُشاهد اثنين وعشرين رجلاً يركضون في الملعب. وهنا تكمن الخطورة وتتعدد المفاسد:
سرقة العُمر (رأس مال المسلم): الوقت في الإسلام ليس شيئاً فائضاً للتسلية المطلقة، بل هو العُمر الذي سُنسأل عنه. إن قضاء الساعات يومياً في متابعة التحليلات، والمباريات، وتتبع أخبار الانتقالات، هو هدرٌ مروع للعمر فيما لا ينفع في دينٍ ولا دنيا.
صناعة التفاهة وتقديس المشاهير: لقد أحدثت هذه المنظومة خللاً خطيراً في مفهوم "القدوة". بات الشاب المسلم يُعلق صوره، ويُقلد قصّة شعره، ويوالي ويعادي بناءً على لاعب كرة قدم، قد يكون في حقيقته شخصاً منحلّ الأخلاق، فارغ العقل، لا يجمعه بديننا ولا بقيمنا أي رابط.
إحياء عصبية الجاهلية: كم من علاقاتٍ أُخوية قُطعت، وكم من شتائم ودماء أُريقت بسبب التعصب لفريق أو نادٍ! لقد عادت العصبية القبلية الجاهلية ولكن بثوبٍ جديد يُسمى "ألوان النادي". النبي ﷺ الذي قال عن العصبية: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ»، لا يمكن أن يُقرّ هذا الانحدار الأخلاقي والتمزق المجتمعي تحت غطاء "التنافس الرياضي".
التلاعب بالمقاصد الشرعية: من أخطر المزالق اليوم، أن يخرج من يُبرر هذا الهوس الجماهيري، والتجاوزات الأخلاقية (من سبٍ، وشتمٍ، وكشفٍ للعورات، وتضييعٍ للصلوات) بحجة أن الإسلام أباح "الترويح عن النفس"! إن الترويح في الإسلام هو محطةُ استراحةٍ للتزود بالطاقة لمواصلة السير، وليس غايةً تُفنى فيها الأعمار وتُرتكب لأجلها المحرمات.
رسالة إلى الشباب: الميدان ينتظرك!
إذا أردت حقاً أن تقتدي بالنبي ﷺ في جانبه البدني والرياضي، فالطريق لا يمر عبر شاشات التلفاز، ولا عبر المدرجات الصاخبة.
كُن فاعلاً لا مفعولاً به: أطفئ الشاشة، وانزل إلى الملعب. اركض، اسبح، مارس رياضتك المفضلة بنفسك. العرق الذي يتصبب من جبينك وأنت تلعب، أكرمُ من الدموع التي تذرفها على خسارة فريقٍ لا يعرف حتى بوجودك.
اجعل رياضتك عبادة: جدّد نيتك. العب بنية التقوي على طاعة الله، وبنية حفظ الأمانة (الجسد) التي وهبك إياها الخالق.
العب بشرفٍ وأخلاق: في ملعبك المصغر، مع أصدقائك، أظهر أخلاق المسلم. احترم منافسك، اخفض صوتك، التزم بوقتك، واغضض بصرك، ولا تجعل وقت اللعب يتعدى على وقت فريضة.
خلاصة القول: الرياضة في أصلها النبوي دعوةٌ للحياة، والقوة، والبناء. أما هوس الملاعب المعاصر، فهو دعوةٌ للخمول، والتعصب، وضياع الهوية. فكن أنت اللاعب في ميدان حياتك، ولا ترضَ لنفسك أن تكون مجرد رقمٍ في مدرجات الآخرين.
مجموعة أثر
التعليقات